الشيخ محمد النهاوندي

115

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بالانتصار منهم جيء بقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ تأكيدا للوعيد والوعد ، يعني أنّ الوعيد والوعد حقّ وصدق ، والموعود مثبت في اللوح المحفوظ ، مقدّر عند اللّه ، لا يزيد ولا ينقص ، وذلك على اللّه يسير ، لأنّ قضاءه في خلقه أسرع من لمح البصر « 1 » . وَ تاللّه لَقَدْ أَهْلَكْنا بأنواع العذاب في الأعصار السابقة أَشْياعَكُمْ وأشباهكم في الكفر والطّغيان من الأمم الذين كانوا أقوى منكم فَهَلْ فيكم أيّها الكفّار الحاضرون مِنْ مُدَّكِرٍ ومتّعظ بما نزل عليهم وَكُلُّ شَيْءٍ وعمل من الكفر والعصيان فَعَلُوهُ في الليل والنهار والخلوة والجلوة مكتوب فِي الزُّبُرِ ودواوين الحفظة الكرام البررة وَكُلُّ صَغِيرٍ من أعمالهم وأعمال غيرهم في مدّة أعمارهم وَكَبِيرٍ منها ، كلّ بتفاصيلها مُسْتَطَرٌ ومثبوت في كتاب لا يترك كتب عمل صغير لصغره ، ولا كبير للاعتقاد بعدم نسيانه . روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله ضرب لصغائر الذنوب مثلا ، وقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ مثل محقّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض ، وحضر جميع القوم ، فانطلق كلّ واحد منهم يحطب ، فجعل الرجل يجيء بالعود والآخر بالعود حتى جمعوا سوادا ، وأججوا نارا ، فشووا خبزهم ، وإنّ ذنب الصغير يجتمع على صاحبه فيهلكه ، إلّا أن يغفر اللّه ، اتّقوا محقّرات الذنوب ، فانّ لها من اللّه طالبا » « 2 » . ثمّ إنّه تعالى بعد بيان سوء حال الكفّار في الآخرة ، وأنّهم يسحبون على وجوههم في النار ، بيّن حسن حال المتقين والمحترزين من الكفر والعصيان بقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ والمعرضين عن الكفر والعصيان في الدنيا مستقرّون في الآخرة فِي جَنَّاتٍ وبساتين كثيرة الأشجار ، لا يوصف حسنها ونظارتها ونعمها وَ في خلال نَهَرٍ أعظم الأنهار وأصفاها ، جار من الكوثر على قول ، أو من عين الرضوان على آخر « 3 » . وقيل : إنّ المراد من النهر جنسه ، وإفراده لرعاية الفواصل « 4 » . وهو قاعد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ومجلس صالح مرضيّ ، أو مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم ، وكائن عِنْدَ مَلِيكٍ وسلطان عظيم الشأن ، وفي قرب من مالك الملوك مُقْتَدِرٍ لا نهاية لقدرته وملكه وسلطانه ، فأيّ منزلة أكرم من تلك المنزلة ، وأجمع للغبطة والسعادة ، وألذّ واشرف منها . عن الصادق عليه السّلام : « من قرأ سورة ( اقتربت ) أخرجه اللّه من قبره على ناقة من نوق الجنة » « 5 » .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 284 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 285 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 79 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 8 : 175 ، تفسير روح البيان 9 : 285 . ( 5 ) . ثواب الأعمال : 116 ، مجمع البيان 9 : 279 ، تفسير الصافي 5 : 105 .